الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

485

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

والحاصل : أنه من تصديقهم بوعده تعالى ، وثبات ركونهم إلى قوله تعالى في حقهم : عباد مكرمون 21 : 26 يعلمون بعدم التغيير فيما أخبرهم تعالى به ، ومن علمهم أن كلّ هذه الأشياء حتى إخباره تعالى بعدم التغيير أشياء ممكنة ، لا تخرج بالوعد عن الإمكان الذاتي ، فإنه تعالى لو شاء أن يغيرها غيّرها في هذا القسم أيضا كيف شاء ، فهم من هذا الإمكان مشفقون . وبعبارة أخرى : القول بالبداء فيما أخبر تعالى يجري في هذا القسم أيضا ، ولهذا الاحتمال روي عن الصادق عليه السّلام ما معناه : " إن إلياس النبي سجد وبكى وتضرع ، فأوحى اللَّه إليه : ارفع رأسك فإني لا أعذبك ، قال : يا رب إن قلت : لا أعذبك ، ثم عذبتني ألست عبدك " . وإلى هذا أيضا يشير قول السجاد عليه السّلام في دعائه : " إلهي وعزتك وجلالك لو أنني منذ بدعت فطرتي من أول الدهر عبدتك دوام خلود ربوبيتك بكلّ شعرة في كل طرفة عين " ، إلى أن قال : " لما استحققت محو سيئة من سيأتي ، " راجع الدعاء ، فإن مفاده مفاد ما روي عن إلياس النبي عليه السّلام كما لا يخفى ، فهذا الاحتمال قد أوقعهم عليهم السّلام في الخشية منه مع وعده تعالى . وورد في تفسير قوله تعالى : ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك 17 : 86 عن الرضا عليه السّلام : " فهو يعلم كيف يذهب ولا يذهب به أبدا " . وكيف كان إمكان تغيير ما أخبر به تعالى أوقعهم في الخشية منه تعالى ، وإن علموا بالضرورة أنهم عليهم السّلام ممن وعدهم النجاة ، وأنهم إلى رضوانه صائرون البتة ، وإلا لما كان وجه لخوفهم منه تعالى ، وهم يعلمون أنهم مقربون مرضيون ، بل علمت فيما سبق : أن الجنة خلقت لهم ولأتباعهم . أقول : الإمكان الذاتي للتغيير يكون مسلوب الأثر بقوله تعالى : فلا تحسبن اللَّه مخلف وعده رسله 14 : 47 كيف يمكن تأثير الاحتمال في هذا النحو من الخوف الكثير ، مع وعده تعالى بالنجاة مثلا ، بل الخوف المتراءى منهم بنحو لا يكون في غيرهم ،